
خطاب "المواطنة" تحت الاستعمار:
المقاطعة/المشاركة في انتخابات الكنيست الصهيوني..
*محمد أبو أسعد كناعنة
"لا تُشارك في انتخابات الكنيست، قائِمة مُرشّحين أو شخص مُرشّح، إذا كانَ في أهداف القائِمة أو أفعالها أو أقوال الشخص المرشح، تفوهاتهِ وأفعاله، بشكل صريح أو بما معناه، رفض وجود "دولة إسرائيل" كدولة يهودية وديموقراطية".
(البند 7 "أ" قانون أساس انتخابات الكنيست)
على مَدارِ عُقودٍ خَلَت، تدور بينَ أوساط الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 1948 سجالات حول موضوعة المشاركة في انتخابات الكنيست الصهيوني، عن الجدوى منها وأبعاد هذه المُشاركة على الذات الجمعيّة للفلسطينيين وما تحملهُ من خطورة على الوعي الفلسطيني الجَمعي، فَالمُشاركة أصبحت هي "الأساس" ما بعدَ النكبة والتطهير العرقي للفلسطينيين على أيدي العصابات الصهيونية والتي هيَ ذاتها أجازَت لمن نَجى من المجزرة الكبرى ومَن بقيَ على أرضهِ ناجيًا من التهجير القَسرِيّ، أن يُشارك في الانتخابات للهيئة التشريعية (الكنيست) للكيان الحديث الولادة على أنقاضِ دماءِ وأشلاءِ من مزّقتهم حرابِ هذه العصابات، وعلى رُكامِ مئاتِ المُدن والقرى وعشرات الآلافِ من البيوت والمنازل التي هدمتها وهَجَّرتها هذه العصابات ذاتها، هذا الكيان حديث الولادة قامَ على آلامِ وآمالِ شَعبٍ مُزِّقَ حَقّهُ في تقرير المَصير بمؤامرة فاقَت قُدراتهِ في التَصدي لها ودحرها في حينهِ ولكنّهُ لم يستسلم حتى هذه اللحظة.
بعدَ إعلان وثيقة ما سُميَّ ب"الاستقلال" كان من شروط انضمام كيان الاستعمار الجديد في فلسطين كَدولة حديثة الولادة "إسرائيل"، إلى هيئة الأمَم المتحدة هو إعطاء "الأقليات" صفة "المواطنة" وبعض الحقوق المدنية النابعة منها، ومن أهمها الحق في المشاركة في الانتخابات، تصويتًا وترَشُّحًا، فهذه المُشاركة ليست إنجازًا عظيمًا كما يحاول البعض أن يُصوّرها لنا وهي كذلك ليست نتيجة لمشروع نضالي بقدر ما أنَّها كانَت استحقاق لِضمان احتضان دولي لها على أنها "دولة" تحترم أقلياتها وأيضًا بقدرِ ما هي أداة تُستخدم من قبل كيان الاستعمار الصهيوني كورقة التوت لتغطية عوراتهِ الاستعمارية وفي مقدمتها أنَّهُ كيان غاصب على أرضٍ شعبها رفضَ وما زالَ يرفض أن يُسلّم بواقعٍ قامِ على أساسٍ استعماري، يرفض أن يتعامل مع "المواطنة" كبديل للوطن، وهو ما تسعى إليهِ منظومة المُشاركة رغم كل محاولات تجميل الخطاب السياسي، فالمشاركة في انتخابات الكنيست الصهيوني تتم على قاعدة القانون المُدوَّن أعلاه وفي صلبهِ "الاعتراف بيهودية الدولة وديموقراطيتها"، والانخراط في هذا المشروع هو بلا شَك انسياق وانسجام مع المشروع الصَهيوني من حيث أنَّهُ أداة استعمارية كولونيالية، حتى في هذا التعريف لم نختلف مع أقطاب المشاركة، حيثُ أنَّ بعضهم يعتبر "إسرائيل" أداة إمبريالية بعدَ أن راهنوا على أن تكون رافعة للتقدم في المنطقة وسارعوا في حينهِ لقبولِ قرار التقسيم تماشيًا مع موقف الاتحاد السوفييتي الذي دعم قيام "دولة إسرائيل" وكانَ أول من اعترفَ بها وساعدها على الانخراط في الهيئات الدولية والأمَميّة.
عرفَ التاريخ أنساق مختلفة من الاستعمار ومنه الكولونيالي، وعرفَ أيضًا أشكال مختلفة من مقاومة هذا الاستعمار، لم يُسامح التاريخ ولن يسامح من تساوقَ مع استعمار بلادهِ وتشريد شعبهِ، فالحجج المُساقَة للمُشاركة لها بدائل كثيرة وعظيمة على مرّ التاريخ القديم والحديث، ولكن هذه القوى في المُحتل عام 1948 ما زالت ترفض هذا التوجّه على اعتبار أنَّهُ برأيهم "انعزالي" ويقود إلى ابعاد الجماهير "العربية" عن التأثير، وأضع العربية هنا بينَ مزدوجين كونهُ مُصطلح أرادوا لهُ أن يكون بديلًا عن "الفلسطَنة" بتوجّه مدروس من قبل المؤسّسة الصهيونية وللأسف ما زالَ البعض يتساوق معهُ على هذه القاعدة، أي قاعدة عزل مصيرنا كفلسطينيين في المحتل عام 48 عن مصير باقي أبناء الشعب الفلسطيني، فنحنُ لسنا فقط شعب لنا ذكريات واحده ونوستالجيا نحيا على أنقاضها، نحنُ شعب لنا مصير واحد مُشترك وهذا ما يقض مضاجع المؤسسة الصهيونية وأيضًا ما يرفض حتى نقاشهُ من أرباب المُشاركة كونهُ يُفقد مشروع المشاركة في انتخابات الكنيست الصَهيوني أي مصداقية أخلاقية ووطنية.
في الجولات الانتخابية الثلاث التي حصلت خلال عامٍ واحد شاهدنا كيفَ يكون الانزلاق نحو الهاوية لدي قائِمة تَدَّعي أنَّها تحمل مشروعًا "وطنيًا"، فيكفي أن تعترف هذه القائمة بدورها المدني المطلبي حتى لا نُحاكمها من الباب الوطني، ولكن هذا ليسَ شَأنهم وحدهم، فالمطلوب هو خدمة أجندة "أسرلة" مشروع الفلسطينيين في ال48 لكي لا يتشابك مع المشروع الوطني الفلسطيني التحرّري، فالهدف ليسَ أن تكون المُشاركة فقط من الباب المَدني رغمَ كل الاشتباك الوهمي بينَ القائمة المُشتركة وما يُسمّى باليمين، فهذه هي معركة المصالح المُتبادلة في التهييج والتحشيد، كُلٌ يُغني على هوى ما تطرب لهُ أذُن داعميه وجمهورهِ الهدف، فحينَ يُحرّض بنيامين نتنياهو ضدّ الفلسطينيين ويقول "العرب يهرولون الى الصناديق" هو يعلم جيدًا بأنَّ خصومهُ في القائمة المُشتركة سيستغلون هذا التصريح وسيستفيدون منهُ وبالنسبة لهُ لا ضيرَ في ذلك لأنَّ المهم من جهتهِ هو خروج أنصاره من المستوطنين الصهاينة للتصويت والعزوف عن "لا مُبالاتهم"، (ملاحظة: حينَ نستعمل مُصطلح "مستوطنين" فنحن نقصد ونعني كل مستوطن يهودي على أرض فلسطين التاريخية).
كانَت التوصية على الجنرال بيني جانتس، قائد أركان جيش الاستعمار الصهيوني وما يُسمى بوزير الدفاع حاليًا، من قبل القائمة المشتركة بمركباتها الأربعة، الجبهة الديموقراطية، التجمع الديموقراطي، الإسلامية الجنوبية والعربية للتغيير، كانت هذه التوصية هي المُنزلق الخطير والخطيئة التي فتحت الباب على مصراعيهِ أمام عودة الأحزاب الصهيونية الى ساحة المجتمع الفلسطيني لحصد الأصوات تحت حُجّة "التأثير" كما بَرّرت ذلك القائمة المُشتركة لتوصيتها وكذا شَرَّعَنَت الارتماء في حضن نتنياهو تحت بند المقايضة كما يقول منصور عباس عضو الكنيست الصهيوني عن الحركة الاسلامية الجنوبية، فالذهاب الى جانتس ليسَ مشروعًا أكثر من نتياهو في سَلَّة التبريرات للمُشاركة التي يسوقها إعلام المُشتركة ويتزَعّم هذا النهج أيمن عودة هذا الخطاب، خطاب المواطنة والتأثير من الداخل، فمن إنهارَ أولًا لا يستطيع أن يلوم من انهار من بعدهِ، فتحتَ شعار "هم الناس" ساقَ أيمن عودة القائمة المُشتركة نحو التوصية على جانتس ومحاربة الخطاب الوطني الذي ترفعه حملة المقاطعة وبالتحديد خطاب أبناء البلد الحركة التاريخية التي رفعت شعار الدولة العَلمانية الديموقراطية على كامل التراب الوطني الفلسطيني، وتبنت مشروع التحرير والعودة مع عدم إغفال المشروع المدني اليومي المطلبي.
المُشاركة في انتخابات الكنيست الصهيوني ما هي إلا شَرعنَة للكيان الصهيوني الغاصب على اعتبار أنَّهُ "يُجَسّد حق تقرير المصير لليهود" كما تسوق القوائم المُشاركة وعليهِ نقول المقاطعة هي معركتنا مع الاستعمار، مع جذور الاستيطان الكولونيالي، مع من سلبَ الوطن وشَرّدَ المواطن، مع من قتلَ وذبح شعبنا وما زال، مع من صادر حقنا في تقرير المصير وكانَ سببًا مباشرًا لكلّ بلاوينا، مع ذراع الإمبريالية ونَصير الرجعية مع أسوأ حركة عرفها التاريخ الحديث والقديم، الحركة الصهيونية.
بنيامين نتنياهو "اليميني" كما "اليساري" يوسي بيلين من قبلهُ يعرفون جيدًا معنى المقاطعة من قبل الفلسطينيين وتأثيرها الوجودي على مستقبل الكيان، ليس فقط إعلاميًا وعلى المستوى الدولي وإنّما أيضًا على المستوى النفسي عندَ المُستَعمِر (بكسر الميم) ذاته، فهو يُدرك بأنّهُ يعيش في مُستَعمرَة لم ولن يَقبَلَ المُستَعمَر (بفتح الميم) أن يُسَلّم بالأمر الواقع والرفض هو ألف باء المقاومَة وهذه مقدمة لهزيمة مشروعهِ الاستعماري.
عدم وجود البديل كمشروع مادي فاعل لا ينتقص من "مقاطعة الكنيست الصهيوني" كشكل نضالي في قلب المشروع الوطني الفلسطيني، وهذا يعود إلى عُقم ذاتي لدى حامل المشروع، ولن تتجاوز الحركة الوطنية هذا العُقم من دون قراءة نقدية، ذاتية وموضوعية لحالها وحالتها المُستدامة.
*عرابة البطوف/الجليل - فلسطين