الجمعة 04-04-2025

بين وعد بلفور وصفقة القرن: مقاربة تاريخية – سياسية

×

رسالة الخطأ

حاتم استانبولي

بين وعد بلفور وصفقة القرن: مقاربة تاريخية – سياسية

حاتم استانبولي

الاثنين 02 نوفمبر 2020 |

المقاربة بين وعد بلفور وصفقة القرن لا يمكن أن تكتمل بدون التوقف عند ثلاث محطات هامة، كان لها الأثر الأكبر في إعطاء الوعد وتحقيقه؛
المحطة الأولى كانت مؤتمر الحركة الصهيونية في بازل عام 1897التي اتفقت فيه القبائل الصهيونية المنتشرة في أوروبا على إطلاق نداء لإقامة وطن قومي لليهود؛
المحطة الثانية:( Hanry Campbell-Bannerman) المؤتمر الذي دعا له رئيس الوزراء البريطاني وسمي باسمه عام 1907 وضم كل من بريطانيا وفرنسا وهولندا وإسبانيا وبلجيكا والبرتغال وإيطاليا هذه الدول التي كانت تمثل الاستعمار المباشر، وطلب منها إرسال بعضًا من خبرائها وأساتذة جامعاتها. المؤتمر كان حوارًا حول الدور الاستعماري لهذه الدول والمخاطر التي من الممكن أن تواجهها أوروبا، وخلص إلى أن أكبر تهديد يأتي من شعوب جنوب حوض البحر المتوسط التي تجمعها لغة واحدة، وثقافة واحدة، وجغرافيا واحدة متواصلة، وتملك ثروات متعددة؛
المحطة الثالثة: كانت اتفاقية سايكس بيكو، هذه الاتفاقية التي كشفتها الحكومة البلشفية في روسيا وأرسلت وثائقها إلى الشريف حسين الذي بدوره أرسلها إلى الحكومة البريطانية، ليستفسر عن صحتها وجاءه الرد المضلل، بأنها ليست صحيحة.
ما بين مؤتمر بازل الصهيوني ووعد بلفور؛ تحققت الظروف الموضوعية والذاتية لتحويل الفكرة الصهيونية إلى إمكانية واقعية، بعد أن تلاقت المصالح الصهيونية مع الطموحات الرأسمالية الاستعمارية التي استخدمت النفوذ اليهودي الصهيوني في الدولة العثمانية ووظفته في تقويضها من الداخل وإغراقها في المديونية وانهيار مالي واقتصادي؛ دفعها إلى أن تدخل الحرب العالمية الأولى وهي منهارة ومفككة داخليًا وزاد من أزمتها خروج العامل (القومي العربي) من حاضنتها الدينية.
هذه المحطات الثلاث شكلت مقدمة لوعد بلفور الذي قدم في رسالة مؤرخة في 2 نوفمبر 1917 لممثل رأس المال اليهودي في بريطانيا اللورد روتشيلد، هذه الشخصية التي شكلت عنوانًا رمزيًا لتحالف رأس المال اليهودي الصهيوني مع رأس المال الاستعماري الغربي الذي بسط هيمنته على مخلفات الخلافة العثمانية. ما بين 1917 و1948 خضعت المنطقة العربية لسلطة الاستعمار المباشر الذي تقاسم سلطة الخلافة العثمانية، وفي ظل هذه السيطرة الاستعمارية تمت رعاية انشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين وتشريع أدواته ووسائله المالية والاقتصادية والعسكرية، وتحولت فكرة الوطن القومي اليهودي إلى دولة يهودية، وتم تشريعها بالتزامن مع تشريع بعض الكيانات القبلية والعشائرية والعائلية التي أُنشئت لها نظم سياسية، لا تملك إمكانية استمرارها؛ إلا من خلال اعتمادها على المساعدات الخارجية التي انتقلت من المساعدات المباشرة من ميزانية الدول الاستعمارية إلى أدواتها المالية التي أُنشئت ما بعد الحرب العالمية الثانية. هذه النظم وبحكم أنها لم تكن نتاج التطور الطبيعي للتشكيلات الاقتصادية وتعبيراتها السياسية، وبحكم أنها لا تملك إمكانية تطورها أحاديًا، فقد كانت تجد نفسها دائمًا في تعارض مع المصالح الجمعية لمجتمعاتها ولها مصلحة في ابقاء حالة التخلف السياسي والاجتماعي التي أرادها المُستعمر لكي يبقيها في حاجة إلى دعمه الدائم؛ وبذات الوقت كان يدفعها لتقويض أية إمكانية لإعادة فكرة الوحدة، فيما بينها وتشجيع قمع أية فكرة أو حركة تهدف إلى إعادة الوحدة للمجتمعات العربية التي كانت السمة العامة لها تتعارض مع فكرة الوطن القومي، وكانت حاسمة في خيارات وقوفها مع الشعب الفلسطيني، في حين أن الأنظمة التي أُسست لها دول؛ كانت تدرك أن بقائها في السلطة، يتطلب أداء دور مناهض للتوجهات الجمعية للمجتمعات العربية في الحرية والعدالة والمشاركة.
إن أية خيارات حرة كانت ستفضي إلى حكومات مناهضة لفكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين؛ المدقق في الحالة السياسية منذ وعد بلفور يستخلص أن مفاهيم الحرية والعدالة والمشاركة تتعارض في الجوهر مع فكرة إنشاء الوطن القومي؛ كونه يتناقض مع جوهر الحرية والعدالة والمشاركة، هذا التناقض الذي شاركته أنظمة سايكس بيكو مع الجوهر العنصري والإحلالي للفكرة الصهيونية.
بعد أكثر من مائة عام على وعد بلفور، ما زالت هذه الأنظمة تمارس ذات الدور، وما زال الاستعمار يمارس هيمنته عبر أدواته الجديدة من بنك دولي وصندوق نقد دولي، وما زالت الأنظمة ذاتها القبلية والعشائرية والعائلية، تحكم مجتمعاتها بفارق (أن أكثرية رؤساء وزرائها هم موظفون سابقون في البنك الدولي ومؤسساته التابعة)، وما زالت مفاهيم الحرية والعدالة والمشاركة تتناقض مع بنيتها الفاسدة؛ سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وبقدر ما يتعمق فسادها السياسي والاقتصادي، بقدر ما تتعمق علاقاتها مع إسرائيل الاحلالية العنصرية.
العامل الجديد القديم الذي أُدخل على الصراع هو العامل الديني الذي أدرك الاستعمار أهميته باكرًا على أنه سلاحًا إذا ما ارتبط بالقضايا الوطنية، ممكن أن يكون سلاحًا فعالًا لمواجهته، وإذا ما قوض المحتوى الإنساني لدوره، فإنه من الممكن استخدامه كقوة مساعدة في بقاء حالة التخلف وإدخال المجتمعات في صراع مع ذاتها، وهذا ما مارسه الاستعمار القديم والحديث؛ من تقوية النزعات الدينية المتطرفة وتشجيع النظم والتنظيمات التي تستخدم الدين السياسي لتضعه في مواجهة القوى التي تطالب بالحرية والعدالة والمشاركة، ولتقويض المحتوى الوطني التحرري للقضايا العربية والقضية الفلسطينية بشكل خاص، واعتبارها مشكلة أماكن دينية؛ من الممكن أن تحل بين الطوائف والمذاهب، وبذات الوقت تعطي الشرعية للجوهر الديني للدولة اليهودية. ومن الممكن أن نأخذ لبنان كمثل لحالة النظام العربي لبنان، كان دائمًا حقلًا للتجارب الاستعمارية، وهو التجلي الأبرز لنظم سايكس – بيكو؛
لبنان بعد مائة يعيش أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية، ومثقل بمديونية هائلة، في حين أن عائلات طوائفه التي حكمت لبنان؛ مثقلة بالأموال التي نهبتها على مدار خمسة وسبعون عامًا؛ لبنان التعبير الأبرز عن فساد النظام السياسي لنظم سايكس بيكو، وفيه تتجلى كل التناقضات والتعارضات المتداخلة والمركبة، وأكثريتهم أجمعوا أن لا حل لمشكلتهم؛ إلا بإعادة إنتاج نظامهم، ولكن بشروط سياسية واقتصادية جديدة، ويطرح فاسدوهم أنهم الخيار الوحيد للمستعمر، وإلا فإن القوى المقاومة المتعارضة مع مشاريعه ستكون البديل، وهذه سمة كل الأنظمة الفاسدة في المنطقة التي أصبحت ترى أن مركز حمايتها انتقل من واشنطن إلى تل ابيب، وحل أزمات بعضها يتم من بوابة تل أبيب، واستمرار حكم ما تبقى منها يتم من بوابة تل ابيب، والذين يستمرون بمعارضة توجهاتها سيكون مصيرهم؛ مصير من سبقوهم ،وهنا فإن لا شفاعة لتاريخ تبعية أيًا منهم.
بعد أكثر من مائة عام يعاد إنتاج وعد بلفور بصيغة صفقة القرن، ولكن هذه المرة وعدًا وصفقة للنظم شرط استمرارها الوحيد هو الإقرار بشرعية إسرائيل ودعمها سياسيًا وماليًا، لتتمكن من حمايتها بحلتها الجديدة. المعطيات كشفت أن العلاقة قائمة على أساس دور تحالف رأس المال وحركته وأسواقه، ولا يوجد جنسية قومية له المثال الأبرز على ذلك؛ موقف الإمارات المتحدة التي اصطفت مع مصلحتها بالتحالف مع الاتجاه الأكثر رجعية بين اتجاهات رأس المال الذي يرى مصلحة في إبقاء النظم العائلية القبلية، كونها تتلاقى معه في جوهر العداء للحرية والعدالة الاجتماعية والمشاركة، وهذا هو جوهر الموقف الإماراتي و البحرين ي في إعلان تحالفه مع رأس المال اليهودي الصهيوني؛ تحالف يهدف لحماية الذات، ولهذا يطلقون عليه تحالف استراتيجي، هذا التحالف الذي يقف متناقضًا مع الجوهر العادل للقضية الفلسطينية وقضايا الديمقراطية في المجتمعات العربية.
القضية الفلسطينية معيارها الإنساني والأخلاقي وسمتها التحررية الوطنية، يتلاقى في الجوهر مع قضية الحرية والعدالة والديمقراطية في العالم والمجتمعات العربية التي فرضت عليها نظم وأدوات سياسية فاسدة؛ أدخلتها في صراع مع ذاتها وأثقلتها بمديونيات ورهن مواردها للمستعمر الذي تغيرت أشكاله وأدواره، ولكنه في كل مرحلة حاسمة، يطل برأسه ليعلن أنه صاحب الولاية والقرار، ويرفع عصاه لتهديد أعوانه والضرب على رأس معارضيه.
نُشر هذا المقال في العدد 19 من مجلة الهدف الرقمية

انشر المقال على: