الخميس 22-02-2018

الكلفة الاقتصاديّة الماليّة للمصالحة الفلسطينيّة

موقع الضفة الفلسطينية

الكلفة الاقتصاديّة الماليّة للمصالحة الفلسطينيّة

عدنان أبو عامر

في الوقت الذي نجحت فيه مصر بالتوصّل مع "فتح" و"حماس" إلى توقيع اتفاق المصالحة في 12 تشرين الأوّل/أكتوبر، بدأت أنظار الفلسطينيّين تتطلّع إلى العوائد الاقتصاديّة والفوائد الماليّة التي قد تعود عليهم من المصالحة.
وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر بغزّة معين رجب لـ"المونيتور": "إنّ نجاح المصالحة سيفتح الطريق أمام عجلة الاقتصاد الفلسطينيّ، لأنّ تحقيق التوافق الوطنيّ سيدرّ أموالاً كبيرة على الموازنة، ويصبح الاقتصاد قادراً على تجاوز مشاكل اقتصاديّة عديدة يعانيها قطاع غزّة، وعلى رأسها البطالة، وربّما النجاح في إقامة بنك مركزيّ في قطاع غزة أو الضفة الغربية، وإصدار جنيه فلسطينيّ".
أضاف: " الآن بعد أن تم الاتفاق على المصالحة، يجب أن يكون لدى الفلسطينيّين، منحى جديد لتنمية مواردهم المحليّة بصورة أساسية، مع عدم الاستغناء عن الدعم الخارجيّ القادم من الدول الأخرى، الأمر الذي يفسح المجال لخلق فرص التشغيل، والاستفادة من الطاقة البشريّة المهدرة من عشرات الآلاف العاطلين عن العمل. وإن شعرت دول مانحة كقطر وتركيا بأنّ مصر والإمارات العربيّة المتّحدة سحبت البساط من تحت أقدامها، فإنّ الأصل في الحكومة الفلسطينيّة ألاّ تقطع علاقاتها مع أيّ دولة في المنطقة، وتواصل عملها لجذب مستثمريها".
يطرح الفلسطينيّون أسئلة عدّة حول الدور الماليّ والاقتصاديّ، الذي ستقوم به حكومة التوافق عقب استلامها الأوضاع في قطاع غزّة، حيثعقدت أول اجتماع لها بغزة يوم 3 أكتوبر، وسيبدأ وزراؤها يصلون غزة من يوم 20 تشرين أول/أكتوبر، وأعلنت يوم 19 أكتوبر أنها ستعقد بدءأ من يوم 24 أكتوبر اجتماعاتها الدورية بالتناوب الأسبوعي، أسبوع في غزة وآخر في الضفة، من أجل إدارة ملفّات موظّفي القطاع العام أو جباية الضرائب أو تضمين غزّة ضمن الموازنة العامّة.
وفي هذا السياق، قال رئيس لجنة الموازنة في المجلس التشريعيّ جمال نصّار لـ"المونيتور": "إنّ البعد الاقتصاديّ للمصالحة يتمثل بجباية وضرائب تغطّي مصاريف موظّفي القطاع العام الحكوميّ ورواتبهم، فليس هناك من عجز ماليّ في غزّة إن استلمت الحكومة عملها، لأنّ قيمة ما تتمّ جبايته في غزّة من ضريبة القيمة المضافة وأرباح السجائر وكميّات السولار تبلغ 150 مليون دولار شهريّاً. وإن تحقّقت المصالحة ستتمّ إقامة حساب موحّد للضرائب. أمّا عن الدعم الماليّ للدول المانحة للمصالحة فالأصل ألاّ يكون هناك إحلال بخروج دولة ومجيء أخرى، وإنّما تؤدّي كلّها أدواراً تكامليّة، وعلى رأسها قطر والإمارات والسعوديّة ومصر. علينا كفلسطينيّين فتح خطوط مع الجميع".
ومن الملفّات الماليّة العاجلة أمام طاولة المصالحة حالياً، مستقبل موظّفي غزّة الذين عيّنتهم "حماس" منذ عام 2007، فالتقدير السائد في الأوساط الاقتصاديّة الفلسطينيّة أنّه لن يتمّ استيعابهم جميعاً، بل قد تلجأ الحكومة إلى دمج نسبة منهم غير معلومة حتّى الآن، وقد تستخدم قانون التقاعد المبكر للموظّفين، نظراً لعدم القدرة على استيعابهم ودمجهم في الهيكل الإداريّ.
واكتفى مسؤول فلسطينيّ في وزارة الماليّة، أخفى هويّته، بالقول لـ"المونيتور": "لدى حكومة التوافق خطط وبدائل للتعامل مع الوضع الماليّ والاقتصاديّ الناشئ عقب المصالحة، واندماج غزّة مع الضفّة، والوزارة خاضعة في خطواتها لما يقرّره المستوى السياسيّ الفلسطينيّ، بحيث يتمّ تنفيذ برامجها الماليّة في غزّة بالتوازي مع تنفيذ بقيّة الخطوات المتّفق عليها في القاهرة بين فتح وحماس".
وفي حال بدأت السلطة الفلسطينيّة بتحصيل الضرائب في غزة، فسينعكس ذلك على ارتفاع الإيرادات المالية لميزانيتها، الأمر الذي سيعني وقفمعاناة القطاع الخاص والشركات ورجال الأعمال من الازدواج الضريبيّ والرسوم والتعليقات الجمركيّة، عبر توحيد المنظومة الضريبيّة والجمركيّة بين غزّة والضفّة مع العلم أن الفلسطينيين في غزة يدفعون ضرائب مزدوجة لمرتين، مرة لحكومة التوافق بالضفة، ومرة ثانية لحكومة حماس بغزة.
بدوره، قال رئيس تحرير صحيفة "الاقتصاديّة" محمّد أبو جياب لـ"المونيتور": "إنّ ملف موظّفي غزّة يشكّل إحدى عقبات إتمام المصالحة، فإذا نجحت اللجان المختصّة في تطبيق الدمج الوظيفيّ بين موظّفي غزّة ورام الله، إنّ أعباء ماليّة ستتراكم على السلطة الفلسطينيّة، الأمر الذي يتطلّب جهداً دوليّاً وعربيّاً لمساعدتها ماليّاً لتجاوز الأزمة. كما أنّ السلطة ذاتها مطالبة بتطوير منظومتها الماليّة والاقتصاديّة لتواكب إنجاز المصالحة لإبعاد شبح الإفلاس، وإمكانية طلبها دعماً مالياً مؤقتاً من الخارج لصرف رواتب الموظّفين، دون أن يكون اعتماداً كلياً، مع أنّ السلطة الفلسطينيّة تسعى إلى التحكّم بكل مال يدخل غزّة، سواء القادم من قطر أم الإمارات، ويتوقّع أن تشكّل هذه القضيّة عقبة مستقبليّة لعمل السلطة في غزّة".
وفيما أعلن رئيس حكومة التوافق رامي الحمدلله في 3 تشرين الأوّل/أكتوبر أنّه لا يستطيع تحمّل أعباء 50 ألف موظّف تابعين لحكومته في غزة، تكلفة رواتبهم 50 مليون دولار شهريّاً، فإنّ اتفاق المصالحة قرّر تشكيل لجنة إداريّة لدراسة أوضاع موظّفي غزّة، وأمامها 4 أشهر لتقديم توصياتها.
مع العلم بأنّ اتفاق المصالحة جاء في وقت تتعرّض له الموازنة الفلسطينيّة إلى تراجع حادّ في المنح الخارجيّة بنسبة 48 في المئة، إلى حدود 590 مليون دولار متوقّعة العام الجاري، بسبب تراجع الدعم الخارجي خلال الأعوام الأربعة الماضية منذ 2013، الذي بلغ آنذاك 1.1 مليار دولار.
من جهته، قال رئيس مؤسّسة "بال ثينك للدراسات الاستراتيجيّة" في غزّة عمر شعبان لـ"المونيتور": "إنّ المصالحة قد تعني للسلطة الفلسطينيّة ذخراً ماليّاً وليس عبئاً اقتصاديّاً، إن تمّ تحقيقها بصورة كاملة في الضفّة وغزّة، وتمّ توحيد الموازنة. وبعد إنجاز المصالحة، يجب أن تحظى غزّة بنصيب وافر من الموازنات الماليّة لتعويضها عن 10 سنوات من المعاناة والاستنزاف".
الكلفة الاقتصاديّة للمصالحة تتعدّى موضوع موظّفي القطاع العام لتصل إلى إعادة إعمار غزّة وترميم بناها التحتيّة المدمّرة وتأهيل محطّة الكهرباء وبناء محطّات تحلية لمياه البحر والصرف الصحيّ.
وأخيراً، تزداد حاجة الفلسطينيّين خصوصاً في غزّة، إلى الاستفادة من المصالحة معيشيّاً بسبب التراجع الكارثيّ لظروفهم الحياتيّة، عقب اتّساع رقعة البطالة حتّى نهاية الربع الثاني من العام الجاريّ لنسبة 44 في المئة، وتلقّي 80 في المئة من عائلات القطاع تعيش فقط على مساعدات إغاثيّة عاجلة، تقدمها الأمم المتحدة ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا وغيرهما، بجانب أزمة انقطاع الكهرباء، والقيود الإسرائيليّة على حركة تنقّل الفلسطينيّين خارج غزّة، وانحسار خدمات مياه الشرب، وتأثر عمل محطّات معالجة مياه الصرف الصحيّ، وإغلاق معبر رفح بصورة مستمرّة.

انشر المقال على: