
القطع والابتعاد عن المستنقع هو الموقف من الانتهازية
محمود فنون
27/2/2020م
عندما بدأت قيادة منظمة التحرير تسير نحو خط التسويات فعليا ، وحينما رسّمت موقفها بالنقاط العشرة وقرارات المجلس الوطني والتي سرعان ما تحولت إلى برنامج " السلطة الوطنية " التي ترجمت بعد عشرين عاما إلى سلطة أوسلو، حينها قامت الجبهة الشعبية ومعها قوى الرفض المكونة من جبهة النضال الشعبي والقيادة العامة بالانفصال عن تيار التسوية المتمثل بقيادة المنظمة ومكون من فتح والجبهة الديموقراطية.
كان هذا هو الموقف الصحيح ،
وخلال فترة جبهة الرفض تبلور الرفض كتيار وطني واسع وأخذ يتجذر في الأرض المحتلة معتمدا على تمايزه ، ومعتمدا كذلك على الاتجاه الجماهيري العريض الذي نشأ على رفض العدو بصورة تلقائية .
كان التخلي عن جبهة الرفض هو تخلي عن التمايز الضروري جدا والذي يعني أن لهم طريقهم وللرفض طريقه .
كان الإنشداد إلى الوحدة الوطنية هو العامل الحاسم في النهاية والذي عبر عن نفسه بشعار "وحدة صراع وحدة ".
ولكن تجارب القوة الثورية التاريخية قد أعطت نوعين من المواقف والعلاقات: إما الافتراق وإما التقارب بين القوى المتعارضة جذريا.
وأثبتت التجربة أن التقارب بين قوى ثورية وقوى رجعية لا يمكن أن يقوم إلا على ما يعرف ببرنامج الحد الأدنى وهو برنامج اليمين وما فيه من مشترك.
هذا يجوز في ثورات التحرر الوطني أو ثورات القضاء على الرجعية والتخلف ومن أجل الديموقراطية السياسية وهي الديموقراطية البرجوازية وما تعطيه من هوامش لليسار والقوى التقدمية.
وعمليا ينتهي اللقاء حينما تتسلم القوى البرجوازية السلطة وتشرع في بناء سلطتها وتنفيذ برنامجها الخاص وتتحول بهذا إلى قوى محافظة و أو رجعية. ويكون المكسب هنا وطنيا بالقضاء على القوى التي ولىّ زمانها والانتقال إلى الحداثة. ومن هنا تكون نقطة انطلاق جديدة للقوى الثورية واليسارية التي من واجبها أن تظل تضغط من أسفل وتناضل لتحقيق مزيد من المكاسب الوطنية وتتقدم بالثورة خطوات إلى الأمام من أجل تحويل المجتمع تحويلا ثوريا وفق برنامجها. وبالتالي يكون الافتراق بدلا من الإستيزار والوسطية والانتهازية . أي هنا يجب القطع مع الانتهازية حينما يتطلب الأمر الاستمرار في المواجهة مع العدو .القطع مع القوى التي تتلطى مع السلطة وشق طريق جديد مهما كانت الصعوبات .
واليوم يتوجب على قوى الرفض الفلسطيني استظهار الفوارق الحاسمة والتحريض ضد الأحزاب المتواطئة والقطع معها والكف عن شعارات مثل وحدة اليسار، المصالحة الوطنية.
فقوى اليسار الموجودة هي ذيل لليمين وقد تخلت عن قشرتها الحمراء وأصبحت بشعاراتها في خدمة اليمين وتناضل من أجل الإستيزار وقد سبق واستوزرت ووضعت رأسها بين الرؤوس وكل هموم قيادتها جوهريا محصورة في الدفاع عن بقائها وخذلت وتخذل الجماهير ولا تستطيع أن تلتقي لتشكل طليعة متقدمة ولو نسبيا .
إن القوى التي ألقت شعارات النضال من خلفها ودخلت المستنقع لا تصلح لأن تكون حليفة لمن يرفع راية النضال بل يتوجب القطع معها وفضحها أمام الجماهير التواقة للنضال.
وإذا كانت قوى المستنقع تنق داعية الرفض للولوج إلى المستنقع فيجب دفعها إلى أعماق أعماق المستنقع ورائحته الآسنة والتطهر منها ومن العلاقة معها، لأن هذه العلاقة تخدم خصومها وتضر بالجماهير والحركة الجماهيرية.
وهل سعي الوسطيين لإيجاد جسور بين الرفض الثوري والقوى الانتهازية هو موقف شريف ؟
الجواب لا أبدا فلكل طريقه. انظر إلى مسار القيادة الرسمية لمنظمة التحرير التي رفعت شعار السلطة الوطنية وعدلته إلى شعار الدولة الفلسطينية المستقلة على أراض فلسطين التي احتلت عام 1967م. ووصلت في هبوطها المتدرج إلى سلطة أوسلو بقيادة السلطات الإسرائيلية وتابعة لها وهي كانت تضمر هذا الهبوط. قال خدمها من القوى الأخرى " إن هذه القيادة لا يمكن أن تقبل بأقل من الدولة المستقلة وكان هذا تنظيرا دفاعيا لا غير لا غير من قبل من يدعون أنهم على يسارها وكان هذا تضليلا لا غير ومساهمة في تسويع مواقف ومسار هذه القيادة علما أن مسارها كان واضحا باتجاه التخلي عن كل شيء مقابل بقائها ومقايل سلطات وهمية وهي لا تملك من أمرها شيئا وهي في خدمة العدو وبرنامج التهويد المستمر حتى بعد تشكل سلطتها المزعومة .
في مناطق 1948م هناك رفض وجود الاحتلال وتمثله حركة أبناء البلد ومن في حلفها وترفض المشاركة في انتخابات الكنيست الإسرائيلي وهناك الأحزاب الانتخابية المتلهفة على المشاركة في الانتخابات وترفع اليوم شعار اسقاط نتنياهو كتبرير وتسويغ لمشاركتها في الانتخابات وهناك أراء وسطية تحاول جسر الفجوة بين الفريقين .
إن القطع في هذا الأمر وبوضوح هو الموقف الناضج ولا يتوجب جسر الخلاف هنا بل تظهيره إلى أبعد مدا ممكن.
يمكن أن تلتقي القوى على ما هو مشترك وليس من واجب الرفص أن يتزحلق قليلا باتجاه موقف قبول المشاركة في الانتخابات المختلف عليه جذريا وتعداد الفوائد التي يمكن الحصول عليها كذبا وتضليلا .
ذلك أنه إما أن تتذيل وتقترب من المستنقع بادعاء أنك على أطرافه أو تبتعد عنه وعن أمراضه كلها ولا يتوجب جسر مواقف كهذه.