الجمعة 04-04-2025

الحركة الوطنية الفلسطينية في مفترق طرق

×

رسالة الخطأ

د. حسن نافعة

الحركة الوطنية الفلسطينية في مفترق طرق

نُشر هذا المقال في العدد 21 من مجلة الهدف الرقمية

د. حسن نافعة

أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة/ مصر

واجهت الحركة الوطنية الفلسطينية تحديات هائلة في مراحل مختلفة من مسيرتها النضالية الطويلة، لكنها استطاعت أن تتغلب عليهاوأن تبقي على قضية شعبها حية في القلوب والعقول؛غير أن التحديات التي تواجهها في المرحلة الراهنة تبدو غير مسبوقةوتهدد بتصفية القضية الفلسطينية ذاتها، ومن ثم تمثل تهديدًا وجوديًا بالنسبة لها،وذلك لأسباب عديدة تتعلق ليس فقط بالأوضاع الفلسطينية المحلية، ولكن أيضًا بالأوضاع الإقليمية والعالمية على وجه الخصوص.

فعلى الصعيد الفلسطيني: أصيبت الحركة الوطنية الفلسطينية بجرح عميق يبدو أنه لم يعد قابلًا للالتئام، وذلك بسبب الانقسام الحادث بين حركتي فتح وحماس.فمن ناحية، اُختزلت حركة فتح في "سلطة"تقيم في رام الله وتربطها بالاحتلال الإسرائيلي اتفاقية فرضت عليها إلقاء السلاح والتخلي عن المقاومة المسلحة،ورغم أنها تدعي تمثيل الشعب الفلسطيني وتتحدث باسمه في المحافل الدولية،إلا أنها لا تسيطر فعليًا، إلا على مساحة محدودة جدًا من أراضي الضفة الغربية،بل وأصبحت فاقدة لشرعية التفويض الشعبي لها بعد انتهاء ولاية الرئيس محمود عباس وعدم تمكن الشعب الفلسطيني من تجديد ثقته بالقيادة عبر انتخابات حرة ونزيهة. ومن ناحية أخرى،اُختزلت حركة حماس في سلطة أمر واقع تكتفي بإدارة قطاع غزة المحاصر، ورغم أنها تدعي هي الأخرىأنهاتمثل الشعب الفلسطيني في مجمله، بحكم حصولها على الأغلبية في آخر انتخابات تشريعية جرت في الضفة والقطاع،إلا أنها أصبحت بدورها فاقدة للشرعية التمثيلية؛بسبب انتهاء ولايتها التشريعية وعدم تمكن الشعب الفلسطيني من تجديد ثقته بها عبر انتخابات حرة جديدة. وبينما تحاول حركة فتح تبرير استمرار هيمنتها المنفردة على مؤسسات السلطة "الوطنية" بما تقوم به من دور في مفاوضات التسوية السياسية الجارية منذ التوقيع على اتفاقية "أوسلو"، تحاول حركة حماس تبرير شرعية انفرادها بالسلطة على قطاع غزة بالحرص على حماية حقوق الشعب الفلسطيني من الضياع في مفاوضات تصفها بالعبثية، ومواصلة النضال وقيادة الكفاح المسلح باعتباره الوسيلة الوحيدة لتمكين الشعب الفلسطيني من استخلاص حقوقه المشروعة. غير أن الواقع القائم يفضح بؤس الخطابين في الوقت نفسه، أي خطاب السلطة وخطاب الحركةمعًا؛فالمفاوضات التي تدعي السلطة أنها تخوضها وتحرص على استمرارها تحولت إلى أداة إسرائيل لكسب الوقت وشرعنة التوسع الاستيطاني، بل إن "السلطة الوطنية" نفسها تحولت عبر آلية التنسيق الأمني إلى أداة في يد الاحتلال الإسرائيلي،وليس إلى أداة في خدمة النضال الفلسطيني يمكن أن تقود إلى استخلاص الحقوق المغتصبة. والكفاح المسلح الذي تدعي حركة حماس أنها تقوده لم يعد له وجود على أرض الواقع؛ بسبب الحصار المضروب على قطاع غزة من كافة النواحي، ولأن كلا الفصيلين في فتح وحماس باتمنشغلًا بالمحافظة على ذاتهالفصائليةوعلى سلطته وامتيازاته الطبقية أكثر من انشغاله بالنضال السياسي أو بالكفاح المسلح، فقد كان من الطبيعي أن يصلا معًا، ومعهما القضية الفلسطينية برمتها، إلى مأزق تجسده الحالة الفلسطينية الراهنة، خاصة بعد رفضهما معًا لصفقة ترامب التي يطلق عليها إعلاميًا "صفقة القرن".

وعلى الصعيد العربي:أصيب النظام الإقليمي العربي بحالة من الشلل والانهيار التام؛بسبب تراكم الهزائم التي مني بها، خاصة في 67، والانقسامات التي أصابته؛ بسبب القرارات المنفردة والكارثية لبعض الزعماء العرب، خاصة قرار السادات زيارة القدس عام 77، والذي أفضى إلى خروج مصر من المعادلة العسكرية للصراع العربي الإسرائيلي، وقرار صدام غزو واحتلال الكويت عام 1990، والذي أفضى إلى تدمير واحتلال العراق عام 2003، ورغم تجدد الأمل في إحياء ونهوض النظام العربي من كبوته، خاصة عقب اندلاع ثورات "الربيع العربي" في العديد من الدول العربية نهاية 2010 وبداية 2011، إلا أن فشل هذه الثورات وعودة الاستبداد العربي في أبشع صوره؛ألحق بالنظام العربي أكبر انتكاسة أو هزيمة في تاريخه، ولأن العالم العربي يعيش حاليًا أقسى مراحل انحطاطه التاريخي، خاصة بعد اندلاع الحروب الأهلية والطائفية والعرقية داخل وبين العديد من دوله، فقد كان من الطبيعي أن تنشغل الحكومات والشعوب العربية بأوضاعها الداخلية المتردية وأن تتراجع القضية الفلسطينية على جدول أعمال النظام العربي، بل يمكن القول دون مبالغة أن النظام العربي تحول الآن إلى عبء على النضال الفلسطيني وعلى القضية الفلسطينية، خاصة بعد تسارع معدلات التطبيع مع إسرائيل،والذي يعني تخليه عن مبادرة قمة بيروت لعام 2002،التي ربطتهذا التطبيع بانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي العربية المحتلة عام 67 وقيام دولة فلسطينية مستقلة وعودة اللاجئيين الفلسطينيين. بعبارة أخرى يمكن القول أن انهيار النظام العربي أدى عمليًا إلى ترك الشعب الفلسطيني وحيدًا في مواجهة المشروع الصهيوني.

وعلى الصعيد العالمي:يمر النظام العالمي منذ فترة ليست بالقصيرة، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وفشل مشروع الهيمنة الأمريكية المنفردة، بمرحلة سيولة تتسم بغياب الرؤية والقيادة وصعود قوى دولية جديدة لم تتمكن بعد من ثثبيت مواقعها على قمة هرم النظام الدولي، وتراجع هيبة ومكان القانون الدولي والأمم المتحدة. وفي سياق الارتباك الناجم عن هذه المرحلة شهدت عدة بلدان موجات من المد اليميني، كان أبرزها تلك التي أفرزها النظام السياسي الأمريكي وأسفر عن فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية التي جرت في نوفمبر عام 2016. وقد تمكن ترامب، في ظل مرحلة السيولة هذه، من اتخاذ العديد من القرارات الصادمة التي كان لها تأثيرات سلبية خطيرة على المشكلات الدولية يهمنا منها ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، بصفة عامة، وبالقضية الفلسطينية، بصفة خاصة. فمنذ اللحظة الأولى لوصوله إلى البيت الأبيض شرع ترامب في إعداد خطة لتسوية نهائية للصراع أطلق عليها إعلاميًا "صفقة القرن" وكلف صهره جاريد كوشنر بالإشراف على إعدادها واتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذها، وبالتدريج تبين أن ما يجري الإعداد له هو أقرب ما يكون إلى خطة لتصفية القضية الفلسطينية نهائيًا منها إلى خطة لتسوية الصراع،وعندما أدرك ترامب أن السلطة الفلسطينية، على ضعفها، لن تتجاوب مع هذه الخطة ولن تستطيع قبولها؛ شرع على الفور في اتخاذ إجراءات عقابية، وقام بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن وقرر عدم الوفاء بحصة الولايات المتحدة في ميزانية وكالة غوث اللاجئيين الفلسطينيين، وعندما لم تفلح هذه الضغوط في تليين الموقف الفلسطيني، لم يعبأ به وراح يتخذ خطوات أحادية كان في مقدمتها النقل الفعلي للسفارة الأمريكية للقدس التي اعترف بها عاصمة موحدة لإسرائيل، وحين شرع لاحقًا في توضيح خطته والإعلان رسميًا عن أهم معالمها،تبين أنها ترتكز على إقامة مشروعات اقتصادية، تستهدف في المقام الأول توطين اللاجئيين الفلسطينيين، في مقابل الاعتراف لإسرائيل بالحق في ضم الكتل الاستيطانية اليهودية في الضفة الغربية، خاصة في منطقة القدس وكذلك غور نهر الأردن، وبالتالي لا يترك للفلسطينيين سوى أجزاء محدودة من أراض غير متصلة في الضفة الغربية لا يمكن أن تصلح مطلقًا لإقامة دولة فلسطينية عليها، حتى لو تم وصلها بقطاع غزة؛ عبر طريق بري أو نفق تحت الأرض. الأدعى أن راح بعد ذلك يضغط بكل قواه على الدول العربية لكي تشرع على الفور في تطبيع علاقتها بإسرائيل دون انتظار لقيام دولة فلسطينية، من منطلق أن إيران أصبحت تشكل تهديدًا رئيسيًا لكل دول المنطقة لا يمكن مواجهته إلا بتعاون أو بتحالف عربي إسرائيلي مشترك.

في سياق كهذا يبدو واضحًا أن الحركة الوطنية الفلسطينية؛دخلت منعطفًا جديدًا، لا شك أنه الأخطر في تاريخها، ما يفرض على الشعب الفلسطيني أن يعيد حساباته، وأن يسعى بكل همة لتأسيس حركة وطنية فلسطينية جديدة،تتضمن إعادة تشكيل لكافة مؤسساته السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، بما يتناسب والتحديات الجسام التي تنتظره في المرحلة القادمة. وفي تقديري أن الخطوة الأولى على هذا الطريق يجب أن تبدأ بالعمل على صياغة رؤية استراتيجية مختلفة؛تحدد مسارًا جديدًا للنضال الفلسطينية،بما يتناسب مع معطيات المرحلة الراهنة؛ شريطة أن تبني هذه الرؤية على استخلاص الدروس المستفادة من التجارب السابقة للحركة الوطنية الفلسطينية في مختلف مراحل تطورها، وأن تتضمنكافة الضمانات اللازمة للحيلولة دون تكرار الأخطاء السابقة.

وتأسيسا على ما تقدم،على الحركة الوطنية الفلسطينية أن تتخلص من مجموعة من الأوهام، يبدو أن البعض ما زال يعتقد في صحتها:

أولها: وهم الاعتقاد بأن إسرائيل أصبحت جاهزة لحل وسط تاريخي يؤدي إلى الاعتراف بالحد الأدني للحقوق الفلسطينية المشروعة التي تتطلب تقديم ما يكفي من الضمانات لقيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، بما فيها القدس الشرقية؛ فالواقع أن الحركة الصهيونية كانت وما تزال ترى في صراعها مع الشعب الفلسطيني مباراة صفرية، لا يمكن كسبها، إلا بالتصفية الكاملة لقضيته والإعلان عن انتصارها النهائي عليه. لذا ينبغي على الحركة الوطنية الفلسطينية أن تدرك يقينا أن إسرائيل لن تكون جاهزة لتسوية تستجيب للحد الأدني من حقوقها الوطنية المشروعة، إلا إذا أجبرت على ذلك؛ الأمر الذي يتطلب منها أن تعمل أولًا على تصحيح الخلل القائم في موازين القوة قبل أن تشرع في التفاوض حول سبل تحقيق السلام. وفي تقديري أن أكبر الأخطاء التاريخية التي ارتكبتها منظمة التحرير الفلسطينية في الماضي يكمن في إقدامها على توقيع اتفاقية لا تلزم إسرائيل صراحة بالوقف الكامل والتام للاستيطان، على الأقل خلال مراحل التفاوض على الحل النهائي، وأقصد هنا اتفاقية أوسلو لعام 1993، ولأن البكاء على اللبن المسكوب لم يعد يفيد أو يساعد على استعادة ماضاع، فإن أول ما ينبغي على السلطة الفلسطينية أن تقوم به أولًا قبل أية خطوة أخرى هو إلغاء اتفاقية أوسلو والتحلل من كل الالتزامات المترتبة عليها، خاصة ما يتعلق منها بالتنسيق الأمني. ويمكن تبرير هذه الخطوة من الناحيتين القانونية والسياسية، بأن إسرائيل كانت أول من خرقها، وأن الاتفاقيات ينبغي أن تكون ملزمة لجميع الأطراف ولا يمكن احترامها من جانب واحد فقط.

الثاني: وهم الاعتقاد بأن الولايات المتحدة،أيًا كان شكل الإدارة التي تتولى مسؤولية الحكم فيها، هي الدولة الوحيدة في العالم المهيأة للعب دور الوسيط الذي يمتلك ما يكفي الأدوات إلى تسوية عادلة لجميع الأطراف. فقد أثبتت تجربة "العملية السياسية" والجارية في الواقع منذ نهاية حرب 1973، أن الولايات المتحدة ربما تكون أكثر الأطراف الدولية تأهيلًا وقدرة على إقناع إسرائيل أو الضغط عليها للتوصل إلى تسوية عادلة، لكنها لم تكن أبدًا راغبة في ذلك. وقد اتضح الآن بما لا يدع مجالًا لأي شك أن الولايات المتحدة كانت وما تزال وستظل منحازة لإسرائيل وللحركة الصهيونية،ومن ثم فهي ليست مؤهلة في حقيقة الأمر للقيام بدور الوسيط النزيه والمحايد؛ لذا يتعين على الحركة الوطنية الفلسطينية أن تتخلى تمامًا ونهائيًا عن فكرة استخدامالولايات المتحدة كوسيط وحيد أو تمكينها من الانفراد بعملية التسوية،مع العمل في الوقت نفسه على عدم استعدائها والاحتفاظ معها بعلاقة صحية وقوية قدر الإمكان باعتبارها قوة عظمى مؤثرة. بعبارة أخرى، يتعين على الحركة الوطنية الفلسطينية الجديدة اعتماد المظلة الأممية والشرعية الدولية وحدهما كغطاء وحيد ضامن لعملية التسوية.

الثالث: وهم التواكل والاعتماد المبالغ فيه على التضامن العربي والإسلامي كبديل أو حتى كرديف للنضال الفلسطيني؛ فالقضية الفلسطينية هي أولًا وأخيرًا مسؤولية الشعب الفلسطيني. صحيح أن الشعوب العربية والإسلامية كانت وما تزال على استعداد لدعم هذه القضية، رغم انكفائها المتزايد على مشكلاتها وهمومها الداخلية، لكن درجة ومستوى هذا الدعم توقفا دومًا على مدى سلامة ومتانة جبهة النضال الفلسطيني نفسها؛ لذا يمكن القول أن الانقسام الحادث بين فصيلي فتح وحماس أساء إلى القضية الفلسطينية، وإلى النضال الفلسطيني أيما إساءة، وأتاح فرصة ذهبية أمام العديد من القوى العربية والإسلامية الموالية للغرب للتملص من مسؤلياتها القومية والدينية؛ لذا يتعين على الشعب الفلسطيني أن يعتمد أولًا وأخيرًا على قواه وطاقاته وموارده الذاتية، وهي كبيرة وهائلة إذا ما أحسن استخدامها وتوظيفها، وأن يدرك أنه كلما تمكن من حشد وتعبئة هذه القوى والطاقات إلى حدودها القصوى زادت فرص نجاحه في تعبئة وحشد الصفوف والطاقات العربية والإسلامية، بل والإنسانية خلفه. كما ينبغي أن ينصب تركيزه في المرحلة القادمة على إعادة بناء حركته الوطنية ومؤسساته الرسمية والشعبية واستراتيجيته النضالية، بما يسمح بحشد وتعبئة وتوحيد كافة الطاقات التي تمتلكها مكوناته الثلاث: فلسطينيو الأرض المحتلة قبل 48، فلسطينيو الضفة والقطاع أو الأرض المحتلة بعد 67، وفلسطينيوا الشتات والمهجر،مع الأخذ في الاعتبار ظروف وخصوصية كل مكون،والعمل على تسخير هذه الطاقات للدفاع عن قضيته بكل الوسائل المتاحة.

لا شك أن التحديات الضخمة التي تواجه الحركة الوطنية الفلسطينية في المرحلة الراهنة تفرض على جميع فصائلها ضرورة الارتفاع إلى مستوى تلك التحديات والعمل بكل الاخلاص والتجرد على إعادة توحيد صفوف الشعب الفلسطيني وتعبئة طاقاته لمقاومة مشروع الاستيطان الصهيوني؛ غير أننا لا نقصد هنا إعادة اجترار فكرة "المصالحة" التقليدية بين فتح وحماس، والتي لم تسفر الجهود الكبيرة التي بذلت من أجل التوصل إليها عن أي نتيجة حتى الآن، وإنما نقصد أن على جميع الفصائل الفلسطينية أن تقوم بمراجعة شاملة لأطروحاتها السابقة والاتفاق على رؤية موحدة لاستراتيجية نضال بديلة تتضمن في الوقت نفسه تشكيل مؤسسات فلسطينية موحدة قادرة على وضع السياسات والبرامج الداخلية والخارجية اللازمة لتنفيذها.

إن مطالبة الحركة الوطنية الفلسطينية بصياغة رؤية موحدة لاستراتيجية نضال جديدة لا ينبغي أن يفهم على أننا نطالب بقيام هياكل ومؤسسات فلسطينية مركزية أو جامدة؛ فالظروف التي يعيش فيها الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة عام 48 تختلف عن تلك التي يعيش فيها الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، وتلك تختلف بدروها عن الظروف التي يعيش فيها الشعب الفلسطيني في بلاد الشتات والمهجر؛ لذا ينبغي تشكيل هياكل تنظيمية فلسطينية تتسم بالمرونة،وتأخذ في اعتبارها ضرورة العمل على إيجاد هياكل تنظيمية فرعية يتولى كل منها إدارة الشئون اليومية والحياتية للفلسطينين المقيمين في هذه المكونات الثلاث.بعبارة أخرى، ينبغي أن يكون هناك مجلس مسؤول عن إدارة شئون الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة عام 48، وآخر مسؤول عن إدارة شئون الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، وثالث مسؤول عن إدارة شئون الشعب الفلسطيني في قطاع غزة, ورابع يتولى الإشراف على شؤون الفلسطينيين في المهجر، على أن يكون هناك مجلس وطني عام وجامع يضم أعضاء هذه المجالس الفرعية، ويتولي وضع السياسات والبرامج المختلفة والإشراف على تنفيذها. وما قلناه حول قضية المؤسسات ينطبق في الوقت نفسه على قضية المقاومة؛ فحين نتحدث عن المقاومة الفلسطينية للمشروع الاستيطاني الصهيوني، فإننا لا نقصد فقط المقاومة المسلحة بمعناها التقليدي، وإنما نقصد المقاومة الشاملة بمختلف الوسائل والأشكال المتاحة والتي تشمل إلى جانب المقاومة المسلحة؛ العمل السياسي والدبلوماسي، وأنشطة المجتمع المدني، ورعاية شئون الأسرى والمعتقلين..الخ، بحيث تتضافر كل أشكال المقاومة لتصب في النهاية لصالح الخلاص الفلسطيني وتمكين الشعب الفلسطيني من استخلاص حقوقه المشروعه.

بقي أن اختتم هذه الطرح المُركز بالإشارة إلى أن شعار "حل الدولتين"، وهو شعار يختزل هدف النضال الفلسطيني في إقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي المحتلة في عام 67، لم يعد يلائم النضال الفلسطيني في المرحلة الحالية، فقد أسقطته إسرائيل نهائيًا، وبدعم كامل من الولايات المتحدة،حل الدولتين وفقًا للفهم الفلسطيني لهذا الحل، وأصبح المطروح اسرائيليًا وأمريكيًا مجرد سلسلة من الكانتونات المتفرقة، تعيش في كنف وحماية دولة إسرائيل الكبرى، ولا تتمتع بأي استقلال حقيقي، وتقوم بوظيفة وحيدة ومحددة لصالح الكيان الصهيوني، ألا وهي ضمان فصل العنصر العربي، بشقية المسيحي والمسلم، عن "شعب الله المختار" الذي تعتقد الحركة الصهيونية أن من حقه وحده أن يعيش مستقلًا في دولة يهودية خالصة؛ لذا أعتقد أن الشعار الفلسطيني الأنسب للمرحلة المقبلة هو شعار "الدولة الفلسطينية التاريخية الموحدة" التي يتعايش فيها الجميع ويتمتعون بحقوق متساوية يكفلها القانون، وحول هذا الشعار الموحد يجب أن تلتئم صفوف كافة الفصائل الفلسطينية. هذا لا يعني أن شعار "الدولة الموحدة" لديه فرص أفضل من شعار "حل الدولتين"، ولكنه شعار أكثر قدرة على حشد وتعبئة الطاقات الفلسطينية على طريق النضال إلى أن تصل موازين القوة إلى النقطة التي تقتنع فيها إسرائيل بأن من مصلحتها أن تتجه بجدية نحو "حل الدولتين" أي نحو الحل الذي يؤدي بالفعل إلى وجود دولتين متجاورتين يعيشان جنبًا إلى جنب ويتمتعان بنفس الحقوق السيادية.

انشر المقال على: