الجمعة 04-04-2025

التطبيع مع إسرائيل هو خطف للثورة السودانية ومصادرة للرأي الشعبي.. والتعويل على الشعب أولا وأخيرا

×

رسالة الخطأ

د. حامد أبو العز

التطبيع مع إسرائيل هو خطف للثورة السودانية ومصادرة للرأي الشعبي.. والتعويل على الشعب أولا وأخيرا

د. حامد أبو العز
باحث السياسة العامة والفلسفة السياسية
كاتب فلسطيني

بعد أشهر من الابتزاز الذي مارسته إدارة ترامب على السودان، أعلنت الأطراف الثلاثة (إسرائيل والسودان والولايات المتحدة) عن تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل.
اللافت من هذا التطبيع هو التوقيت. فتطبيع العسكر في السودان مع العدو الصهيوني جاء قبل حوالي عشرة أيام على الانتخابات الأمريكية الحاسمة في الثالث من نوفمبر المقبل.
وفي مراجعة سريعة للأهداف الحقيقة وراء التطبيع، نجد بأنّ المستفيد الوحيد من هذا التطبيع هو الرئيس ترامب. وذلك لإن الأخير يواجه تحديات جديدة مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي. وترامب يتخلف عن بايدن بعشر نقاط في أسوأ الظروف. ولكن لإعطاء نظرة تحليلية انتقادية، فإن هذا التطبيع لن ينفع ترامب شيئا. والدليل على ذلك واضح للغاية، وذلك لإن الناخب الأمريكي لا يعير أي اهتمام للسياسة الخارجية. والذي دفع الشعب الأمريكي للإقبال على التصويت عبر البريد هو فشل الرئيس بالتعامل مع جائحة كورونا والشلل الذي تعيشه البلاد جرّاء انتشار الفيروس. وهو ما يفسر بالطبع بلوغ عدد الناخبين أكثر من 40 مليون ناخب قبل الاستحقاق النهائي في الثالث من نوفمبر.
على الجانب الآخر، نعلم جيداً عمق الأزمة التي يعاني منها رئيس الوزراء نتنياهو في الداخل الإسرائيلي، ولنفس السبب وهو جائحة كورونا. فعشرات الآلاف جابوا الشوارع مطالبين الأخير بالرحيل. والتحرك نحو التطبيع مع الدول العربية ليس الاهتمام الأول بالنسبة للمواطن الإسرائيلي.
فالإغلاق الاقتصادي وانتشار البطالة وارتفاع معدلات البطالة والتضخم في إسرائيل هي ما يهم المواطن هناك. ناهيك عن المشاكل الحادة بين كل من نتنياهو وحزب أبيض أزرق. هذه الأزمات التي ستدفع بالتأكيد إلى انتخابات مبكرة جديدة لن يكون فيها نتنياهو صاحب الحظ الأوفر.
أما على الصعيد السوداني، فنحن نرفض وبشدة تسمية هذا التطبيع بالتطبيع السوداني-الإسرائيلي. لإن ذلك فيه اجحاف بحق الشعب السوداني وثواره. هذا الشعب الذي وقف ويقف إلى جانب الشعب الفلسطيني.
هذا التطبيع هو بين العسكر وبين إسرائيل. العسكر الذين خطفوا ثورة الشعب السوداني وصادروا رأيه. إن قضية مصيرية كالتطبيع مع إسرائيل لا يمكن أن يمرّ دون تصويت شعبي، أو دون أن تكون حكومة مدنية منتخبة على رأس السلطة في السودان. أما اليوم فإن البرهان والعسكر هم من قرروا التطبيع مع العدو وصادروا رأي الشعب السوداني.
يدّعي بعض الأعضاء في الحكومة السودانية بأن التطبيع هو لمصلحة السودان وقد جاء نتيجة ضغوطات مارستها الإدارة الأمريكية عليهم.
وهذا الادعاء باطل من الأساس ولا صحة له. نعم، صحيح بأن السودان تعرّض لضغوط وابتزاز من قبل ترامب وإدارته على مدى أشهر مضت للتطبيع مع إسرائيل، ولا أحد ينكر ذلك. إلا أن التوقيت الذي جاءت به هذه الخطوة هو الأسواء على الإطلاق. وذلك بأن الولايات المتحدة اليوم على أعتاب انتخابات مصيرية، يتمتع فيها بايدن بحظوظ كبيرة للغاية. وهذا يعني بأن ساكن البيت الأبيض قد يتم اقصائه خلال مدة بسيطة. هذا التغير في الحكومة الأمريكية كان سيتجه تلقائيا لرفع اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وذلك لانتفاء الأسباب المنطقة والمسوغات لوضع السودان في القائمة السوداء، وخصوصا بأن حكومة البشير سقطت، والبلاد بانتظار حكومة مدنية.
إن الأموال الطائلة التي دفعها السودان لقاء حذف اسمه من قائمة الإرهاب، هي أموال مقتطعة من أفواه الجوعى في السودان وهذه المرة تم تبذيرها من قبل العسكر مقابل لا شيء.
جميع الوعود للسودان هي وعود انطلقت من أفراد أسرة ترامب الذين يتحضرون اليوم لمغادرة البيت الأبيض وإلى الأبد، بسبب الفشل والديكتاتورية التي مارسها ترامب خلال أربع سنوات من حكمه.
أقل ما يمكن أن نصف بها هذه الحركة هي بأنها حركة عجولة للغاية وجعلت السودان اليوم يخضع لأقذر ابتزاز تعرض له منذ سنوات. ناهيك عن تباهي نتنياهو المخزي عندما قال بأنّ: "في الخرطوم، العاصمة السودانية تبنوا عام 1967 ثلاثة قرارات للجامعة العربية وهي.. لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بها، ولا مفاوضات معها".
وأضاف: "اليوم الخرطوم تقول نعم للسلام مع إسرائيل نعم للاعتراف بإسرائيل ونعم لتطبيع العلاقات مع إسرائيل".
أخيراً، لا بدّ من القول بأن السودان لم يتعرض لضغط أمريكي وحسب، بل تعرّض لضغط عربي من (الإمارات والسعودية)، وكأن الأخيرتين تحولتا للعمل كمكتب لترويج التطبيع مع إسرائيل. هذا العار لن ينساه إي مواطن عربي أو سوداني. ومن هنا نطلق دعوة لحل الجامعة العربية إذا لا فائدة منها بعد اليوم. كما ندعو الشعب السوداني لقول كلمته الفصل في كل ما يحدث.

انشر المقال على: