الخميس 25-04-2024

29 أغسطس 1969.. الشعبية تختطف أوّل طائرة أمريكيّة

×

رسالة الخطأ

موقع الضفة الفلسطينية

29 أغسطس 1969.. الشعبية تختطف أوّل طائرة أمريكيّة
"عملية الرحلة 840" هي عملية بطولية نفّذتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في أغسطس 1969 بخطف طائرة ركاب أميركية، أثناء رحلتها من لوس أنجلوس بالولايات المتحدة إلى تل أبيب في دولة الاحتلال، بهدف التعريف بالقضية الفلسطينية ولفت أنظار العالم إلى الظلم والإجرام الذي يقترفه العدو الصهيوني بحقّ الشعب الفلسطيني.
السياق
تفجّر الكفاح الفلسطيني المسلح في الأيام الأخيرة من عام 1964 بتنفيذ "عملية مجرى عيلبون" المائي الذي أقامته "إسرائيل" للاستيلاء على مياه الضفة الغربية وحوض الأردن، وسحبها إلى النقب خدمةً لمشاريعها الاستيطانية في هذه المنطقة الصحراوية.
عبّرت العملية عن اقتناع قيادات العمل الفلسطيني بحتمية الكفاح المسلح بعد إحباطهم من النظام العربي وعجزه عن مقارعة الاحتلال الصهيوني، رغم خطاب التعبئة السائد في تلك الحقبة التي كان فيها المدّ القومي العربي في أزهى فتراته.
وعلى الصعيد الدولي، كان العالم غارقًا في الحرب الباردة، وكانت القضية الفلسطينية لا تكاد تحظى بذكر ولا اهتمام في المحافل الدولية، رغم التعاطف الشعبي الواسع الذي تحظى به خاصة في العالم الثالث.
كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (ذات الميول اليسارية الشيوعية) جزءًا من الكفاح الفلسطيني، فارتأت قيادتها ضرورة تنفيذ عمليات نوعية لهدفين أساسيين: التعريف بالقضية الفلسطينية دوليًا، خاصةً لدى الرأي العام الغربي، واستثمار العمليات المسلحة في تحرير السجناء العرب بالسجون الصهيونية ومبادلتهم برهائن "إسرائيليين" أو غربيّين.
التحضير
في أوائل عام 1969 بدأت الجبهة التخطيط لخطف طائرات "إسرائيلية" وغربية، ووقع الاختيار على المناضليْن ليلى خالد وسالم العيساوي لتكليفهما بمهمة خطف طائرة الركاب الأميركية في "الرحلة 840" المقلعة من لوس أنجلوس إلى تل أبيب مرورًا بروما، وبالتحديد في رحلتها بتاريخ 29 أغسطس 1969.
خضعت ليلى خالد -كما روت هي لاحقا لقناة الجزيرة- لتدريبات مكثفة في الأردن ثم لبنان، حيث كانت عائلتها قد استقرت بمدينة صور بعد تهجيرها من حيفا، وتلقى العيساوي تدريبًا مماثلًا يتعلّق أساسًا باستخدام السلاح، والاطّلاع على بعض مفاهيم الملاحة الجوية الضرورية لتسيير الرحلة ومراقبة خطها بعد عملية الخطف.
قبل العملية بأسابيع، قابلت ليلى خالد الدكتور وديع حداد (أحد القادة التاريخيين للجبهة الشعبية) وأبلغها بتفاصيل المهمة، وأخضعها لاختبارات الصبر والتحمّل، منها مثلا إبقاؤها في شقة بلا ماء ولا طعام مدة يومين. ثم تقرر أن يستقل المنفذان الرحلة من روما مصحوبين بمسدسيْن وقنابل، ولا تتوفر معلومات عن الكيفية التي دخلا بها الطائرة.
التنفيذ
صعدت ليلى والعيساوي في درجة رجال الأعمال على الطائرة ليكونا قريبين من قمرة القيادة، وبعد ثلاثين دقيقة من الطيران اقتحما القمرة مستغلّين فتح إحدى المضيفات لبابها، وأشهرا أسلحتهما في وجه طاقم القيادة (ثلاثة أميركيين) طالبيْن منه تنفيذ الأوامر.
كانت الطائرة حينها تحلق فوق المتوسط قرب اليونان، فاستلمت ليلى سماعة ربان الطائرة وخاطبت برج المراقبة قائلة: "هنا رحلة الجبهة الشعبية.. فلسطين حرة عربية"، وأمرت القائد بالتوجه إلى فلسطين، في حين كان العيساوي يسهر على تأمين القمرة بحكم مهارته القتالية وقوته البدنية.
حاول ربّان الطائرة المناورة فوجه البوصلة نحو قاعدة عسكرية أميركية في ليبيا، لكن ليلى انتبهت لذلك بفضل التكوين الذي خضعت له في مجال الطيران، فهدّدت القائد الذي لم يجد بُدًا من التوجه إلى فلسطين.

عند دخول المجال الجوي "الإسرائيلي"، تحرّكت مُقاتلات "إسرائيلية" وأحاطت بالطائرة وكانت ليلى تخاطبهم: "الجبهة الشعبية.. فلسطين حرة عربية"، وكان ذلك يثير سخط المراقبين الجويين "الإسرائيليين"، فكانوا يسبّونها فترد هي عليهم وتقول: "رغم أنوفكم ستكررونها".
وكانت ليلى تقصد بذلك القاعدة المتعارف عليها في قوانين الملاحة الدولية التي تلزم المراقب الجوي بتكرار التسمية التي تردهُ من الطائرة، لتأكيد سماعه لها وإدراجها في مخطط الطيران العام في المجال الجوي الذي تحلق فيه.
مع دنوّ الطائرة من مطار تل أبيب، انتبه الطيار إلى أن أرضية المطار عليها عدد كبير من الدبابات والجنود في انتظار نزول الطائرة، فأمرته ليلى بالتوجه إلى حيفا والتحليق فوقها على علوّ منخفض، ليتسنى لها وللعيساوي (وكلاهما من حيفا) رؤية أرضهما التي هُجّرا منها عنوة.
وبعد ذلك قرر الكوماندوز الفلسطيني توجيه الطائرة إلى العاصمة السورية دمشق حيث هبطت وأُنزِل ركابها (116 شخصًا) ثم فُجّرت، اعتقلت السلطات السورية الكوماندوز وأخضعته لمعاملة قاسية في البداية، ظنًا منها أن العملية دبّرتها مصر لإحراجها دوليًا.
ووفق شهادات ليلى خالد -التي كانت أول امرأة في العالم تختطف طائرة- فإن التحقيق في الأيام الأولى انصبّ أساسًا على دوافع التوجه إلى دمشق، فكان ردها ورفيقها أن دمشق تدّعي مقارعة الإمبريالية وهذه طائرة أميركية.
بعد أسابيع من الاعتقال والتحقيق، نُقل المنفّذان إلى سجن المزة السوري، وهناك قابلا رئيس أركان الجيش السوري (وزير الدفاع لاحقًا) مصطفى طلاس فأبلغهم أن النظام السوري متعاطف مع العملية، لكنه مضطر إلى التصرف بشكل صارم لاعتبارات سياسية.
أُفرج عنهما بعد أشهر فتوجهت ليلى إلى الأردن، وبعد فترة غادرته إلى فرانكفورت بألمانيا بعد جراحة تجميلية في الوجه تجنّبًا للتعرف عليها، وهناك خطفت -رفقة يساري من نيكاراغوا اسمه باتريك أرغويلو- طائرة لشركة "العال الإسرائيلية" في رحلة بين أمستردام بهولندا ونيويورك في سبتمبر 1970. وانتهت العملية بمقتل النيكاراغوي واعتقال ليلى في لندن.
النتائج
أسهم خطف "الرحلة 840" الذي كان أول عملية خطف لطائرة أميركية في التعريف بالقضية الفلسطينية إلى حد كبير، نظرًا للتغطية الإعلامية الواسعة التي حظيت بها العملية، كما فتحت عيون الفصائل الفلسطينية الأخرى على فعالية هذا النوع من العمليات إعلاميًا وسياسيًا، فضلًا عن إمكانية استثماره في إخراج الأسرى الفلسطينيين والعرب من سجون الاحتلال عبر مبادلتهم بالرهائن.
وقد ازدهرت عمليات خطف الطائرات في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين فكانت سلاحًا فعالًا في التعريف بالقضية الفلسطينية، وفي دفع صناع القرار الغربيين إلى الاهتمام بالقضية، والتحرك في اتجاه إيجاد حل لها.

انشر المقال على: